الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
73
مناهل العرفان في علوم القرآن
وقولنا : ( بدليل شرعي ) قيد ثان ، خرج به رفع حكم شرعي بدليل عقلي ، وذلك كسقوط التكليف عن الإنسان بموته أو جنونه أو غفلته ، فإن سقوط التكليف عنه بأحد هذه الأسباب يدل عليه العقل ، إذ الميت والمجنون والعاقل لا يعقلون خطاب اللّه حتى يستمر تكليفهم ، والعقل يقضى بعدم تكليف المرء إلا بما يتعقله ، وأن اللّه تعالى إذا أخذ ما وهب أسقط ما وجب . ولا يقدح في كون هذا الدليل عقليا مجىء الشرع معززا له بمثل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « رفع القلم عن ثلاث ، عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبى حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يفيق » . توجيهات أربعة : وإني أوجه نظرك في هذا التعريف إلى نقاط أربع : ( أولاها ) أن التعبير برفع الحكم يفيد أن النسخ لا يمكن أن يتحقق إلا بأمرين ( أحدهما ) أن يكون هذا الدليل الشرعي متراخيا عن دليل ذلك الحكم الشرعي المرفوع . ( والآخر ) أن يكون بين هذين الدليلين تعارض حقيقي ، بحيث لا يمكن الجمع بينهما وإعمالهما معا . أما إذا انتفى الأمر الأول ولم يكن ذلك الدليل الشرعي متراخيا عن دليل الحكم الأول فلا نسخ ، وذلك كقوله تعالى : و أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ فإن الغاية المذكورة وهي قوله : « إلى الليل » تفيد انتهاء حكم الصوم وهو وجوب إتمامه بمجرد دخول الليل . ولكن لا يقال لهذه الغاية الدالة على انتهاء هذا الحكم إنها نسخ . وذلك لاتصالها بدليل الحكم الأول ، وهو قوله : « ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ » بل تعتبر الغاية المذكورة بيانا أو إتماما لمعنى الكلام وتقديرا له بمدة أو شرط . فلا يكون رافعا وإنما يكون رافعا إذا ورد الدليل الثاني بعد أن ورد الحكم مطلقا واستقر من غير تقييد ، بحيث يدوم لولا الناسخ . ولهذا زاد بعضهم تقييد الدليل الشرعي في تعريف الناسخ بالتراخي . وزاد بعضهم كلمة « على وجه لولاه